Friday, November 19, 2010

رحلة البر

لأن ثقافة السفر ليست جزءاً أصيلا من ثقافتنا، كان من الطبيعي أن يثير مظهري كفتاة مصرية تسافر وحدها على متن عبارة متجهة إلى ميناء العقبة وتحمل معدات تصوير ريبة السلطات الأردنية إلى الحد الذي يدفعها لاحتجاز جواز سفري على العبارة والتحري عني لدى المخابرات المصرية بل وحتى بوليس الآداب! لم تكن السلطات الأردنية تدري أن مخطط هذه الرحلة كان من المفترض أن يسير بشكل مغاير تماما.

بدأ الأمر كله عندما اتصل بي صلاح الرشيدي صديقي المصور الذي تعلمت التصوير على يديه. كان لقاء عادياً حواره لم يخرج عما هو مألوف بيننا إلى أن أشرت بشكل عابر إلى اقتراب موعد اجازتي السنوية. كان صلاح يحتسي قهوته فوضع فنجانه فجأة وقالي لي: "ما تيجي نسافر سوا؟.." نظرت له بدهشة ليس من فكرة السفر معاً بل لان فكرة السفر خارج مصر هذا العام من أساسها لم تكن في ذهني على الإطلاق لاعتبارات مادية بحتة. بعد صمت قصير قلت له " إيه اللي في دماغك؟". أجابني "الأردن.. سوريا.. بر". كان للكلمات الثلاث رنين مميز في أذني زاده الأداء الدرامي الذي قيلت به. شاهدت الكلمات الثلاث وهي تتحول ببطء في ذهني إلى صور وتصورات سرحت معها بعض الوقت إلى أن أعادني صوت صلاح للكرسي الذي كنت أجلس عليه بكلمة واحدة أخرى "ها؟". قلت له "اديني وقت أفكر".

لم يستغرق الأمر مني فترة طويلة لأدرك أن تكاليف رحلة برية كهذه ستكون في حدود إمكانياتي لهذا العام وبالتالي وصل الرد بالإيجاب سريعاً لصلاح الذي طلب مني أن أبلغ أكبر عدد ممكن من الناس حتى تتحول الرحلة إلى حدث جماعي.

ابلغت أصدقائي فلم تلاق فكرة السفر البري – التي تحمل في طياتها مشقة تتعارض مع الرغبة في الاسترخاء- حماساً سوى من بلال صديقي في العمل. لم استغرب قط حماسة بلال ففي سن الثالثة والعشرين لا تسيطر عليك سوى رغبة ثابتة في أن ترى كل شيء وتقوم بكل شيء، وما زاد الأمر إثارة هو أنها كانت ستكون الرحلة الأولى له خارج البلاد.

في الطريق من القاهرة إلى ميناء نويبع المطل على البحر الأحمر أخذت استعيد –بين اليقظة والنوم-شعوري بالإحباط والضيق عندما اتصل بي صلاح قبل يومين من موعد السفر ليبلغني بعدم قدرته على القيام بالرحلة بسبب تأخر إجراءات صدور جواز سفره نتيجة مشاكل قديمة بينه وبين جهاز مباحث أمن الدولة. كان جزء من ضيقي يرجع إلى حقيقة أنه أبلغني بالأمر قبل يومين فقط من الرحلة مما لا يعطي مجالاُ للتراجع أو الإلغاء كما لا يمنح أيضا فرصة لوضع خطة بديلة للسفر فهذه هي أول زيارة لي ولبلال للأردن وسوريا على النقيض من صلاح الذي يعرف البلدين كما يعرف عدساته والذي كنا نعول عليه في الترتيب للأماكن التي سنزورها. بعد ساعات تحول الضيق إلى عند وتحدي دفعاني للاتصال ببلال والترتيب لجلسة محادثة على الانترنت استمرت ثلاث ساعات انتهينا فيها من تحميل خريطة كبيرة للأردن وسوريا وتحديد كل المناطق التي سنزورها خلال الرحلة ثم الاتفاق على لقاء لاستخراج بطاقة عضوية جمعية بيوت الشباب المصرية التي ستتيح لنا الإقامة في بيوت الشباب الدولية في البلدين ثم حجز تذكرتي السوبر جيت المتجه إلى نوبيع. أنظر الآن إلى بلال النائم بجواري في الباص المتجه إلى نويبع وابتسم عندما اتذكر السلاسة التي سارت بها كل هذه الإجراءات التي تمت في أقل من أربع ساعات. كنت سعيدة لسعادته، كان حماسه للرحلة يقترب من المرح الطفولي، ذلك الشعور المنعش بالاستثارة لمعرفة انك ستختبر شيئاً للمرة الأولى، كنت استمد من طاقته شعوراً بالأمان وبأن الرحلة ستسير على ما يرام.

http://www.facebook.com/album.php?aid=295210&id=668962058&l=87ce3ddb81

لم تكن الصدمة الثانية أخف وقعاً من سابقتها بل على النقيض تماماً، فعندما كنا بصدد إنهاء إجراءات جوازات السفر من ميناء نويبع، أبلغنا رئيس قسم الجوازات أن بلال لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يدخل الأردن طالما أن جواز سفره لا يحمل مهنة سوى طالب. الإحباط الذي بدا على وجوهنا نحن الاثنين دفع رئيس الجوازات لأن يعتصر ذهنه ويبحث بين المستندات لإيجاد أي طريقة قد تساعدنا على الدخول لكن بلا طائل. خرجنا من الميناء عائدين إلى قرية رأس الشيطان التي نزلنا بها في الصباح. لم نتبادل أي كلمة طوال طريق العودة ولم نكن بحاجة لذلك. كنا منهكين من رحلة شاقة استغرقت سبع ساعات في حافلة لدرجة لم تسمح لنا أن نعبر عن الغضب والإحباط بالشكل الملائم. لم يكن غضبي من فكرة أن الرحلة ألغيت بل من احساسي بأنني وبلال خُدعنا بشكل ما. السهولة التي أنهينا بها إجراءاتنا كانت مُضللة، كانت واحدة من تلك "الإشارات" الخادعة تماماً بأن كل شيء سيتم كما ينبغي، لتسير الأمور بعد ذلك في اتجاه معاكس تماماً. شعرت بأن الله كان يمارس معي ألعاباً ذهنية أكرهها وعاد لي شعوري بالغضب تجاهه والذي زارني خلال فترات متقطعة هذا لعام لأسباب مختلفة. كانت ليلة سيئة قضيناها في القرية، لم نستطع خلالها النوم طوال الليل بسبب البعوض الشرس الذي تجاوز فئة مصاصي الدماء ليتصدر فئة آكلي لحوم البشر بجدارة. في الصباح وخلف طبقين من البيض "الشكشوكة" ظل بلال يلح علي بأن أسافر اليوم معللاً ذلك بأن الرحلة رحلتي في الأساس وأنه كان وافداً معي وأن بإمكانه تغيير جواز سفره والسفر في أي وقت نظراُ لأنه لا يعمل حالياً في حين أن إجازتي السنوية لن تتكرر مجدداً إلا العام المقبل. كانت تذكرة القارب السريع التي اشتريناها سارية لمدة ستة أشهر فكان بالإمكان استخدامها في أي وقت خلال تلك الفترة. أبلغني أنه سيأتي معي ليعيد تذكرته وأنه سيظل في القرية قبل أن يتجه إلى دهب. قلت له أنني سأحاول أن أنهي رحلتي بأسرع ما يمكن لألحق به، ابتسم وطلب مني ألا أشغل بالي بالأمر وأن أحاول الاستمتاع بقدر الإمكان.

في الميناء يبدو كل شيء مألوفاَ، هذه المرة أتحرك بسرعة وبدون تخبط بما أنني صرت أعرف الطريق جيداً. أتوجه إلى مكتب رئيس الجوازات فيستقبلني بابتسامة عريضة ويبلغني أنه سعيد لأنني قررت السفر، يختم جواز سفري ويتمنى لي رحلة موفقة. أسرع بالعودة إلى الطابور، محاولة كبح أي أفكار عما قد يحدث خلال الرحلة. بعد دقائق يظهر خلفي رجل طويل القامة، يبدو عليه أنه في منتصف الثلاثينات. يقف لحظات ثم يتذكر فجأة أنه يحتاج لتصوير إحدى الأوراق فيتحدث معي بالانجليزية طالباً مني أن أحجز له مكانه، أجيبه بالعربية بألا يقلق. يقف وقد بدت عليه دهشة شديدة. "إنتي مصرية؟" يتساءل بحذر، "أيوة" أجيبه بابتسامة. لم تبد الإجابة مرضية فسألني مرة أخرى إن كنت المرشدة السياحية لطابور الأجانب أمامي أجبته مبتسمة أيضا بالنفي. زاد الرد من فضوله وحيرته فقال لي إنه سيذهب لتصوير الورقة وسيعود في لحظات. التحدي بداخلي لمواجهته لم يمنعني من الانزعاج من فضوله ومن احساسي بأن خصوصيتي ربما تنتهك بشكل ما. بدأت أُعد نفسي لارتداء "الوجه البارد" والتعامل بتحفظ. لكن فضوله كان أقوى من لغة جسدي، فانهالت علي الأسئلة بشأن سفري وحدي وكيف استطعت فعل ذلك. أخذت أجيب باقتضاب محاولة إنهاء الحوار لكنه لم يمنحني أي فرصة وقال لي بحسم "إنتي هتيجي معانا".

نظرت له ببلاهة وقلت له "معاكو فين ومين؟" قال "أنا ووالدتي، هي بس هتدخل من برة علشان هي ست مريضة ومش بتستحمل الوقفة فانت هتطلعي معانا بالعربية لحد العبارة.. أصل اليخت مش هيطلع قبل الساعة تمانية بالليل علشان عليه تفتيش. اه صحيح أنا أسف نسيت أقدم نفسي، كابتن حسام المصري، أنا قائد واحد من اليخوت اللي واقفة برة دي علشان تبقي مطمنة يعني." قل تحفظي بعض الشيء ورددت قائلة "ليليان وجدي"..

على متن العبارة أخذت أضحك بشكل هستيري عندما أبلغني حسام بما فعلته السلطات الأردنية. في الحقيقة لم ألمهم كثيراً فشكلي على متن عبارة تضم عائلات وعمال مصريين فقراء يبدو كالكائن الفضائي. بعد أكثر من ساعتين من التأخير قضيناها في مطعم العبارة، تعرفت على حسام ووالدته بشكل جيد. هو أردني تزوج والده من مصرية. هي امرأة قوية تعرف ما تريد من الدنيا، لا شيء يحد من عزيمتها ولا حتى هشاشة العظام المصابة بها. كانت تتحدث في السياسة وأوضاع البلد بثقة الخبير حتى وإن لم تكن ملمة تماماً بما يحدث. الأحداث بالنسبة لها مجرد تفاصيل لا يكمن فيها سوى الشيطان ولا يعنيها في نهاية الأمر سوى ما تراه بعينها وتلمسه بيديها. كنت استمع لها باهتمام دون تعقيب كثير فهي في الحقيقة ليست بحاجة لأن تسمع أراء ربما لن تضيف لها كثيراً وستدخلها في التفاصيل التي تحرص هي على تجنبها. قبل أن تتحرك العبارة انفصلنا متوجهين كل إلى كابينته. كنت قد قررت استئجار كابينة للنوم بعد أن قضيت الليلة السابقة بلا نوم تقريبا بسبب البعوض. في الطريق إلى الكابينة كنت أحمل عصا افتراضية أضرب بها العيون التي تتفرسني وتفترسني. كنت حريصة على ألا أظهر أي توتر. كانت مشيتي هادئة وقوية وكنت أنظر أمامي لا أصوب عيني تجاه أحد بعينه لا لخوف لكن لعدم رغبة في منح أحد أي إحساس بالاهتمام. واصلت طريقي إلى الكابينة وأنا أحمل حقائبي، دخلت وألقيت كل ما أحمل على الأرض، رفعت البطانية وتقوقعت بداخلها وغرقت في نوم عميق لم أفق منه إلا على صوت طرقات ضابط أردني على الباب يبلغني بأننا وصلنا وبأن علي أن أرافقه لكي استلم جواز سفري. بخطوات ثقيلة زادها البرد كسلاً غسلت وجهي وحملت أغراضي وتوجهت مع الضابط ومجموعة أخرى إلى مكتب رئيس الجوازات لتسلم جواز سفري. كان رئيس الجوازات ودوداً معي كقرينه المصري فبعد أن خلصت التحريات إلى أن لا ملفات لي في المخابرات أو الآداب أو حتى محطة الفضاء الدولية اطمأن قلب السلطات الأردنية على الأمن القومي الأردني ومنحني رئيس الجوازات جواز سفري متمنياً لي رحلة سعيدة. خرجت من مكتب الجوازات لأجد نفسي أمام ساحة واسعة هي منطقة الوصول. بدأت استوعب أخيراً أنني في بلد آخر، ليس لأن الناس مختلفة فكل من حولي مصريون يتحدثون لهجتي لكن لأن ميناء العقبة نفسه يحمل طابعاً أردنياً واضحا، كما أنه أكثر نظافة ورقيا وآدمية من نظيره في نويبع.

في أحد الأركان وجدت كشكاً صغيراً صاحبه -ويا للعجب- مصري أصر على أن يدعوني على كوب من القهوة وكان ودوداً للغاية معي. كنت أبحث عن حسام ووالدته وكنت بحاجة لخط أردني كي أتمكن من الاتصال بهم، نصحني صاحب الكشك بأن اشتري خط شركة "أمنية" التابعة للجيش فهو الأفضل والاقل تكلفة. عملت بنصيحته وبدأت أحاول الاتصال بحسام الذي كان قد وعدني بأن يوصلني إلى بيت شباب العقبة حيث حجزت للمبيت. بعد محاولتين أجابني صوت ناعس على الهاتف يسألني عن مكاني. أبلغته بأنني نزلت من العبارة وبأننا وصلنا منذ نصف ساعة تقريبا. انتابته حالة من الهلع عندما اكتشف أن أحداً لم يوقظه وأنه سيكون أمامه وقت طويل حتى يستعد وينزل بوالدته عن السفينة. أبلغته أن لا داعي للقلق وبأنني سأتصرف. اقترب مني موظف يعمل بالميناء وأخبرني أنه يتابعني منذ نزلت وأنه يملك سيارة أجرة ومستعد للنزول بي في أي مكان أشاء. شكرته بسرعة وعدت للحديث مع صاحب الكشك. لا أدري كم مضى من الوقت لكنني التفت لأجد حسام واقفا خلفي وهو يشكر الرب انني لم أنصرف. استغربت من نجاحه في النزول وإخراج سيارته وانزال والدته بهذه السرعة لكنني كنت أشكر الرب أيضا على التوصيلة الآمنة لبيت الشباب.

في الطريق إلى بيت حسام أخذت استمتع بالجمال الليلي لمدينة العقبة، كانت المرة الأولى التي أرى فيها مدينة ساحلية تطل على البحر الأحمر- لا اعتبر مناطق مثل شرم الشيخ والغردقة ودهب ونويبع بمثابة مدن، هي أقرب للمنتجعات بالنسبة لي في حين أن العقبة مدينة صريحة على صغرها. لكنها لا تشبه أي مدينة ساحلية أعرفها مثل الاسكندرية مثلاً. أعتقد أن الفارق يكمن في اختلاف كيمياء البحر الأحمر عن البحر المتوسط (أفضل الاخير أكثر وأعتقد أنه أكثر جاذبية وحميمية من الأول).

طبعاً كانت الأمور قد استقرت على أنني سأبيت الليل في بيت حسام ووالدته بعد أن اكتشفنا أن بيت شباب العقبة يغلق أبوابه في العاشرة مساء والساعة كانت تجاوزت الثانية صباحاً. كان حسام يحاول أن يحدثني قدر الإمكان عن الأماكن التي أشاهدها كما نبهني لمكتب المعلومات السياحية القريب من بيته والذي سيزودني بالمعلومات التي احتاجها عن البتراء وجهتي التالية وعن كيفية الوصول إليها. بعد دقيقتين كنا قد وصلنا إلى بيته حيث كان في انتظاره زوجة جميلة وودودة، قابلتني بترحيب شديد وفي انتظارنا صينية عظيمة من الفتة مع الحليب الرائب التي أقبلنا كلنا عليها بشهية شديدة شعرنا بعدها بآدميتنا من جديد.

http://www.facebook.com/album.php?aid=299186&id=668962058&l=f3191ca359


على متن سيارة سرفيس متجهة إلى البتراء أشعر لأول مرة في أن في الأردن رائحة من بلدي. كنت قد قررت السفر بهذه المركبة التي لا تكلف سوى دينارين (16 جنيها مصريا) بعد أن علمت أنه لا توجد رحلات سوبر جيت من العقبة إلى البتراء وأن الوسيلة الأخرى البديلة هي استقلال سيارة أجرة ستكلفني نحو عشر دينارات (ثمانون جنيهاً مصرياً) للوصول إلى البتراء. دلني رائد وهو موظف بمكتب المعلومات التابع لوزارة السياحة على موقف السرفيس والذي اتضح أنه لا يبعد سوى عشرة أمتار عن منزل حسام. ابتسم وأنا اتذكر الصدفة، يلح علي شعور أحاول تجاهله بأني محاطة بالرعاية وبأنني بشكل ما لست وحيدة.. أنصرف إلى تأمل الجبال المصطفة على جانبي الطريق، أصور بعضها، أرى في صخورها وجوها بعضها لم أره من قبل والآخر يبدو مألوفا للغاية. استعيد وجه حسام ومها وهما يوصياني بضرورة العودة لزيارتهما مرة أخرى في نهاية الرحلة، اعتبره سببا حيويا لضرورة البقاء على قيد الحياة والانتباه لنفسي خلال الرحلة ..

على ارتفاع ألف واربعمئة متر عن سطح البحر وأمام سلسلة من أشهر جبال الأردن هي جبال الشراة في الساعة السادسة صباحا، أضبط نفسي متلبسة بالفرحة. كنت قد استيقظت بعد نوم عميق في غرفتي ببيت شباب البتراء حيث لم يكن هناك غيري لا في الغرفة ولا في المكان كله. ناديت على يحيى مشرف البيت فلم يجبني، افترضت انه نائم قبل ان انتبه إلى أن سيارته ليست موجودة بالخارج. كان هذا يعني انني وحدي تماماً في نقطة هي أبعد ما يكون عن أي مظهر حضارة، استغربت الفكرة ولم أخش منها، ومع الوقت تحول شعوري إلى إثارة خالصة، هرعت إلى غرفتي لأجلب الكاميرا ومشغل الموسيقى، والآن وأنا أجلس على حافة الجبل الصغير الذي يقف عليه البيت، تنساب موسيقى باخ في أذني، تتجسد أمامي كرمات العنب البافارية، أشاهد نفسي وأنا أجلس على الدكة الخشبية وقت الغروب استمع إلى الموسيقى وأنا أشعر أن ما حولي لي وحدي، اسعد لسعادتي آنذاك وأسعد أكثر لسعادتي في تلك اللحظة، حيث لا قيمة لكل ما يجعلني تعيسة وحيث يجلس الله قريبا جداً مني، يبتسم في وجهي، وحيث يبدو الزمن ساكناً كخط مستقيم لا تعاريج فيه استطيع السير عليه خلفا وأماما كما أشاء، أترك عليه ما أشاء من الصور لأعلم بها طريقي رغم ثقتي بانني من المستحيل أن أتوه وأنا على خط بهذه الاستقامة. انتزع نفسي من خيالاتي، التقط صورة أخيرة لابتسامة الله ثم انهض للاستعداد لوجهتي التالية.

من السهل للغاية أن تنسى هدفك الذي اتيت لأجله وأنت تسير بين الجبال الوردية في مجمع وادي موسى، ستضايقك أصوات المجموعات السياحية في البداية ثم ستنساها مع مرور الوقت، ستقاوم في البداية تأثير الصخور الوردية ذات العروق الخضراء والرمادية لكن ستسلم نفسك لها في نهاية الأمر وستتركها تتوه وحدها متصورا أنك بهذا تكون قد ضللت طريقك دون أن تدري أن استسلامك وضعك بين أيد أمينة ستحملك دون أن تدري إلى حيث تريد الذهاب في نهاية المطاف، المثير في الأمر أن الخزانة أو قصر البتراء لن يظهر لك بكامل بهائه ،ستلمحه فقط من بين الصخور، لكنه سيفاجئك رغم ذلك، فانت كنت قد اعتدت السير بين الممرات الجبلية التي لم تكن تبدو لها نهاية لهذا فعندما سترى الأعمدة الوردية بين الصخور ستُباغت وستقف لحظات مبهوراً لا تصدق أنك وصلت أخيراً بعد عشرة كيلومترات قطعتها سيرا حاملا فوق ظهرك حقائب تحوي معدات ثقيلة.

ستتحرك بخطوات بطيئة راغباً فقط في إطالة لحظات الترقب ما أمكنك، قبل أن يستسلم قصر البتراء لك فيكشف وجهه الجميل، ويقف أمامك في استعراض وزهو سامحاً لك أن تلتقط له صوراً من مختلف الجهات، ستنسى آلام عظمك وستنبطح أرضا محاولاً ضبط الزاوية المثالية، لن تلتفت إلى تعبيرات السائحين الغريبة، ستتجاهل أيضا التكات التي تعني أن بعضهم بدأ يلتقط لك صوراً وأنت في هذا الوضع الغريب وستركز تماماً على الجمال الكائن امامك، تذكرت كم أكره هذه الدرجة من الوردي التي تشبه لون سمك السلمون ولا سيما على المباني السكنية وكم كنت أراها منفرة تنم عن افتقار للذوق الفني السليم واندهشت من انبهاري بها الآن الذي عزوته إلى أن "الطبيعي مفيش أحسن منه". بعد مرور كم من الوقت أجلس في الكافيتريا المواجهة للقصر احتسي بعض القهوة واستعد لرحلة عودة ستكون أكثر مشقة بكثير من سابقتها.

http://www.facebook.com/album.php?aid=296101&id=668962058&l=068536ac61

من السهل وأنت تنظر إلى وجه عودة هلالات سائق التاكسي الذي حملني في جولتي عبر طريق الملوك إلى البحر الميت ومنه إلى عمان، أن تقارن بين مدى اللؤم المحفور على كل خط من خطوط وجهه وبين الطيبة الواضحة على وجهي يحيى وهيثم مشرفا بيت شباب البتراء. فبينما هذا ظل يناور طوال الرحلة كي يحصل مني على المزيد من المال بعد أن اتفقت معه بالفعل على أن أدفع له خمسين دينارا مقابل الرحلة التي سيحملني فيها عبر قلعة الشوبك ومحمية ضانا وغور الصافي والطفيلة والبحر الميت ومادبا وأخيرا عمان، كان يحيى الشاب وهيثم الرجل كريمين معي دون انتظار أي مقابل. فالأول أشفق علي عندما رأى منظري المزري بعدما عدت من رحلة البتراء وقررت اني سأبيت ليلة اضافية لاستحالة الحركة بعد المجهود الشاق، فنزل إلى المدينة بسيارته ليشتري لي وجبة عشاء رفض بشكل قاطع أن يتقاضى ثمنها. والآخر رفض أن يتقاضى مني أجرة الليلة الإضافية معبراً عن إعجابه بجرأتي لاني أسافر وحدي ومتمنيا لي كل التوفيق قائلاً " هادا بيتك، بأي وقت تشرفيه". أذكر نفسي بأن ما سيبقى معي في نهاية الرحلة هي وجوه حسام ومها ويحيى وهيثم وأن وجه عودة سيجد طريقه إلى مزبلة ذاكرتي، وجدت في تلك الفكرة عزاء كافياً فعدت مرة أخرى للاستمتاع بكنوز الطريق.

http://www.facebook.com/album.php?aid=299172&id=668962058&l=bfed29382e

انتبه وأنا في غرفتي ببيت شباب عمان إلى مدى تأثير مياه البحر الميت على جسدي.. كنت قد بدأت الرحلة وعظامي كلها تئن من مسيرة البتراء، وعندما وصلت إلى منتجع عمان السياحي بعد أربع ساعات من السفر لم أكن أريد من الدنيا سوى الموت نوماً، قاومت كسلي بصعوبة ونزلت إلى الشاطيء وخلعت ملابسي التي كنت ارتدي تحتها زي السباحة. نظرت إلى الجثث الطافية فوق سطح المياه وتذكرت ما قرأته عن مياه هذا البحر الشديدة الملوحة والخفيفة للغاية بحيث ترفعك دائما على السطح. أشاهد كتل الملح أمامي على الصخور وأقرر جمعها في أكياس بمجرد خروجي، أضع جسدي ببطء في المياه، مع الحرص على عدم اقتراب وجهي منها، أجلس في المياه فيصرخ عظم جسدي كله من الألم، لا انتبه إلى حقيقة طفوي على السطح من الالم، كان الملح يدك عظامي المنهكة وعضلاتي المتشنجة دكاً، ليجبرها على الاسترخاء، كان هذا بالضبط ما شعرت به وأنا في غرفتي بعمان، كان جسدي مسترخيا تماما على الرغم من الرحلة الشاقة التي انتهت بجولة في العاصمة لم تترك في نفسي أي انطباع. بعد فشل ترتيبات الإقامة في سوريا قررت أنني سأزور دمشق ليوم واحد فقط من الصباح حتى المساء، قلت في نفسي إنها ستكون مغامرة شيقة أحاول خلالها أن أرى أكثر عدد ممكن من معالم المدينة. اطمأن للفكرة وأغلق بها يومي.

وأنت في الطريق من سوق الحميدية إلى الجامع الأموي بدمشق سيتأكد انطباعك الأول بأن عمان مدينة مملة للغاية ، لا يوجد بها ما يستحق الاهتمام كما أن أهلها في غاية السخافة والسماجة، سيتأكد الانطباع لديك لان المدينة التي أنت موجود بها حاليا مختلفة تماما، تشبه القاهرة في الستينات إلى حد ما،تشعرك هذه الفكرة بالألفة رغم أنك في واقع الأمر لا تحب مدينتك كثيراً، أهلها يشبهون أهلك إلى حد كبير مع فارق واضح هو قدر كبير من اللطف والود غير المزيف يفتقر إليه أهل مدينتك. ستنىسى ضيق الوقت لان دمشق تتمهلك، تطلب منك عدم العجلة، تغريك بشوارعها القديمة الضيقة في باب توما، ببوظتها الشهية المصنوعة من القشدة الخالصة، بعصير الرمان الطازج والخالي من أي سكر مضاف قد يموع حلاوته الطبيعية، برائحة البن الطازج من متجر أبو عبده صديقي الذي تبادلنا أنا وهو أرقام الهواتف والذي أصر أن يعد لي بنفسه فنجانا من أفخر أنواع قهوته، بساحاتها العتيقة التي يجلس اليمام فيها يشاهد سائحة مثلي وهي تتجول كالقروي عاجزة عن استيعاب أن ما تراه أمامها حقيقي، بمطاعمها العربية ذات الطابع المنزلي الحميم التي تقدم لك طعاما ستشعر أن أمك السورية هي التي طبخته لك بيدها، بمحلات العطارة في أزقتها التي تحملك الروائح فيها إليها حملا، حيث تحتار في الاختيار بين عشرات الانواع من الزعتر والمتى والمرامية والزهورات التي تشتهر بها سوريا، بمحلاتها الصغيرة لبيع الحلويات الشرقية الاسطورية التي طالما سمعت عنها وتذوقتها مرة مع صديق على عجلة. تشعر بالفخر لانجازك في رؤية أماكن كثيرة في أقل من ثماني ساعات لكن دمشق ليست سعيدة، ما زال عندي الكثير لأقدمه، تقول لك بصوتها الناعم، تضحك بازدراء على شقيقتها الصغرى على الجانب الآخر من الحدود، تتذكر عدم الاكتراث الذي أبداه أصحابك الجدد في العاصمة السورية بمغامرتك الاردنية، لا تلمهم كثيراً فهم لا يحبون كل ما هو أردني، وكيف لهم وهم أهل الخفة والمرح أن يحبوا شعباً يفتقر بوجه عام لروح الدعابة، أن يتماهوا وهم مثال الرقة والنعومة والغنج مع طبيعته الجبلية الخشنة؟ صعب للغاية، حتى وإن كان الأردنيون يذكرونهم – أو بالتحديد يذكرون نساءهم- بكل الود والتقدير. اتفهم ازدراءهم ولا اتفق معه. أودع دمشق عند الغروب وأنا أراضيها بوعد بزيارة خاصة لسوريا وحدها، لن يكون فيها أي استعجال، تتركني على مضض قابضة على وعدي لها بكلتا يديها قبل أن تعاود الانشغال بأحوال أهلها.

لا شعور آخر يصاحبني على متن القارب السريع العائد إلى نويبع سوى الامتنان، أتذكر مغامراتي عبر الحدود الاردنية السورية وكيف ساعدت أنا وفلسطينيان من الخليل سائق التاكسي على تهريب علب سجائر فأضحك رغم السخافة التي تعامل بها السائق معي بعد ذلك ، أتذكر الفتى الأردني الذي كان يركب معي في طريق العودة إلى العقبة وحواراته الخيالية عن الثروة التي ورثها عن والده وعن الفتاة التي خطفها وتزوجها ثم طلقها، فأضحك، اتذكر حسام ومها اللذين استقبلاني مجدداً بنفس الترحاب والعناية التي اختصني بها حسام منذ عودتي وحتى ركوبي للقارب فابتسم، لا مجال لاي منغصات، حتى غرقي في البحر الاحمر بعد ذلك وحتى اكتشافي بأني أضعت بطاقة الذاكرة التي تضم كل صور دمشق لن يفسدا متعة الرحلة علي. ممتنة كنت ولا أزال رغم الإرهاق الشديد، ممتنة لانك ببساطة شديدة، كنت معي.

6 comments:

gharbeia said...

آه سوريا الجميلة.

كتبتِ عن دمشق "تشبه القاهرة في الستينات إلى حد ما،تشعرك هذه الفكرة بالألفة رغم أنك في واقع الأمر لا تحب مدينتك كثيراً"
كان ذلك بالضبط هو انطباعي عنها يوم زرتها لأول مرة صيف 2004. لكن دمشق للاسف تنحو الآن منحى قاهرة السبعينيات، بعد انفتاح حُرمت منه طويلا. أرجو أن تنجو دمشق من مصير قاهرة أهلها.

لكن الجبال ليست بالضرورة مرادفا للخشونة. لم أر في حياتي ألطف من أهل جبل النصيرية و لا أكثر منهم ودا.
الأردنيين مع أن كثيرين منهم يفتقرون روح الدعابة، لكنهم كغيرهم من العرب للمصريين عندهم معزة خاصة لمستها من طنجة إلى البحرين.

شكرا على الحوليات الجميلة، و على الصور. لكن الصور خسارة في فيسبوك ذي الأسوار. فكلر أو أي موقع تشارك صور محترم أفضل من فيسبوك الذي لا يحترم حتى جودة الصور.

لكن تجربتك مع الحدود مألوفة لي. الجديد علي هو تعاون و لطف الجانب المصري، فعادة هم يشكلون خط الغتاتة الأول و كثيرا ما يمنعون خروج المصريين و خاصة النساء!

الكونتيسة الحافية said...

Gharbeia

اعتقد ان انطباعك ربما يكون صحيحاً.. لمست فكرة الحرمان والانفتاح تحديدا في المطاعم العربية القديمة حيث الميول للانفاق ببذخ وحيث اختلاط أسماء الوجبات الغربية مع الأكلات السورية التقليدية، لم ألمسه كثيراً في الشارع، دمشق تبدو ستيناتية إلى حد بعيد، واعتقد أن مناطق مثل باب توما وشارع الصوالحة لا تزال محتفظة بروحها وتقاليدها رغم بعض التغيرات الطفيفة
الخشونة التي كنت اقصدها هي الجفاف وافتقاد حس الدعابة لدى الاردنيين مقارنة بالسوريين المفرطين في المرح والخفة احيانا :))

قرات تدوينتك وتوقفت قليلا عند ما كتبته عن عدم التخطيط بشكل جيد للرحلة ،، ابتسمت لاني كنت قد وضعت مخططا جيدا للرحلة ومع ذلك سارت الأمور معي بشكل مختلف تماماً
أكثر ما أحبه في السفر هو أنه لا يخذلني مهما كانت المشاق أو المنغصات
بل ان المشاق تحديدا تكون جزءا مهما من متعة الاستكشاف (كنت أنام فعليا داخل الحافلات التي سافرت بها عبر الأردن لكني رأيت البلد بأكمله تقريبا باستثناء موقع او اثنين)
أفكر في زيارة خاصة لسوريا بداية العام المقبل، رحلة برية اخرى لكن عبر سوريا كلها، وعدني اصدقائي بان ما سأراه سينسيني الأردن ، لكن أؤمن تماماً بأن لكل بلد خصوصيته وتفرده في جماله ، أعتقد انها ستكون تجربة مختلفة

تجربتي مع الحدود كانت في غاية اللطف سواء المصرية ، الاردنية أم السورية
هناك قصة طريفة تتعلق بمهنتي في جواز السفر ربما ارويها بعد ذلك في تدوينة منفصلة ،، لكن جواز سفري سهل لي الكثير، والتعامل معي كان ودودا عبر كل الحدود حتى أثناء تهريب السجائر
:))
شكرا على مشاركتي تجربتك

الكونتيسة الحافية said...
This comment has been removed by the author.
الكونتيسة الحافية said...
This comment has been removed by the author.
gharbeia said...

سوريا فعلا تستحق زيارات لها..سيذهلك التنوع الذي ستكتسفينه. و كالعادة، إن كان معك صديق محلي ذو دراية ببلده، سترينما لا يمكن للسائح رؤيته.

الحقيقة أني لم أكتب كل ما رأيته في سوريا. لكن ما قصدته ربما لم يكن "الحرمان" بهذا المعنى.

طبعا سوريا عانت من انغلاق سياسي و ثقافي و اقتصادي طويل، من المحتم أن يتبعه انفتاح مثل الذي حدث في مصر، لكن ما قصدته هو ذلك النمط من تحوّل المدينة: في 2004 لم توجد محال أجنبية، لا كوستا و لاكنتاكي و لا غيرهم.

الآن تتحول المنطاق التي كانت سكنية و هادئة إلى شوارع من البوتيكات و المقاهي. أبورمانة الآن مثلا تذكرني ببداية تدهور هليوبولس. و بين 2004 و 2010 تضاعف عدد السيارات في الشوارع أضعافا، و اتسعت دمشق السكنية في تجمعات خارجية حولها.


ربما كانت مطاعم الشام العتيقة هي أفضل أشكال التحول، فهي على اﻷقل استخدامات جيدة للبيوت الأثرية و محاولة للحفاظ على صورتها مع فتحها للزائرين.

hanan said...

حمد لله على السلامة
شوقتينى جدا
انانفسى اروح سوريا ودايما عندى احساس انها هتكون احلى مكان ممكن المرء يزوره رغم انى عمرى ما رحتها